عالم الطب النفسي د. هاشم بحري وتحليل للمشهد الضبابي:

смотреть трейлеры фильмов 2013

حالة من الضبابية تسيطر علي المشهد السياسي، ما بين ترقب وتخوّف وتخوين، فما أن يتنفسّ الصبح حتي نسمع عن قتلي ومصابين، وما هي إلا ساعات، حتي إذا جنّ الليل رأينا قتلي ومصابين، وهكذا دواليك، وكأننا في دولة أخري غير مصر بلد الأمن والأمان.. فماذا حدث للشخصية المصرية وهل أرجعتها الثورة للخلف بدلاً من أن تدفعها للأمام.. أم أنها طاقات مكبوتة وجدت طريقها للخروج ولو في صورة الفوضي، ما دامت كل الأطراف السياسية تدير ظهرها لمطالب الثوار، وتصرّ علي إخراجهم من المشهد. حملنا كل هذه الأسئلة وذهبنا بها إلي عالم الطب النفسي الشهير د.هاشم بحري رئيس قسم الأمراض النفسية بجامعة الأزهر، فوجدنا عيادته الطبية منسقة تماماً كأفكاره التي تدعو إلي الحب والتسامح .. حيث أكد أن الأمة المصرية تحتاج إلي هدف واحد حتي تخرج من كبوتها، وأن خطورة ما يفعله الإخوان المسلمون أنهم يؤثرون علي المكون الرئيسي للدولة وهو الإيمان بالله، وهذا ليس منطقيّا، لأن لدينا كوارث أخري يجب أن ننتبه إليها مثل الفقر والمرض، خاصة وسط حالات الانشقاق بين الجماعات الإسلامية .. فليس عيباً أن يعترض الناس علي الإخوان.. ملقياً باللائمة في الوقت نفسه علي جبهة الإنقاذ، التي لا يري فيها ما يدعو إلي التفاؤل .. والآن إلي الإبحار في نفسية المصريين منذ الثورة حتي الآن..من خلال هذا الحوار:

 

في البداية لابد أن نسألك عن أهم الأسباب النفسية التي أدت إلي انتشار ظاهرة العنف في الشارع المصري وسبل علاج هذه الظاهرة؟

لدينا شيئان: أولهما أن العنف ظاهرة موجودة منذ سنين طويلة، بدليل أن الصحف بها صفحات وإصدارات كاملة عن الحوادث اليومية، إذن العنف موجود من قبل الثورة، ولكن الشكل قد اختلف، وإذا أردنا فهم فكرة العنف وأساسياتها، فلابد أن نعلم أن أي إنسان يتعرض إلي ضغوط تأتي علي شكلين، أحدهما مثل أن تقوم بتنقيط كل يوم نقطة واحدة في كوب إلي أن يمتلئ بالماء، والثاني أن تقوم بملء الكوب دفعة واحدة بالماء، فالضغوط تزيد قدرة الإنسان علي التحمل.. لكن إذا فاضت، وأصبح الإنسان غير قادر علي تحملها، فلابد أن يخرج ذلك بالإنسان من الاعتدال إلي الغضب، الذي يتحول بدوره إلي عدوان للداخل مثل الإدمان وإيذاء النفس أو عدوان للخارج، مثل هتك العرض والاغتصاب والسب.. فالغضب أصبح أمراً خطيراً جدّا، وقد قلت منذ 21 سنة عندما تم هتك عرض فتاة العتبة بأن الأمور ستصبح أسوأ، لأن النظرية واحدة، مادمت تضغط علي الناس دون تنفيس للغضب فلابد أن يخرج هذا الغضب في صورة عدوان سواء للداخل أو الخارج.

حضارة وثقافة

ولكن ألا تري أن الشخصية المصرية قد اختلفت أثناء الثورة، وكان المتوقع أن تستمر هذه النغمة الجميلة..فلماذا ارتدت الشخصية المصرية إلي ما قبل الثورة؟

لم ترتد، ولكن الشخصية المصرية مكونة من شقين: شق الحضارة الذي يقوم علي الأصول والأخلاقيات والآداب والعادات والتقاليد والقيم والإيمان بالله.. إلخ، لكن في علم الإنسان ما يحدث الآن يسمي ثقافة وهي آخر خمسين إلي مائة سنة من عمر المصريين، وهذا هو الشق الثاني؛ وما رأيناه في ميدان التحرير أول 18 يوماً من عمر الثورة اسمه حضارة، وبعد أن تم تنظيف الشوارع، بدأ عصر الثقافة أي أن القائمين علي السياسات أو القدوة من مبتدئي السياسة، هؤلاء هم من أفسدوا الثورة.. فحضارة 7 آلاف سنة التي ظهرت في بدايات الثورة مثلت الإيمان بالله الواحد حيث لم يكن هناك فرق بين ابن الشمال وابن الجنوب، بين المسلم والمسيحي، بين الغني والفقير، فذابت الفوارق، وكأن المصريين كانوا في لحظة صلاة جامعة، وهذا ما نادي به إخناتون ونادت به كل الأديان.. وكان المتوقع أن تستمر هذه الحالة، ولكن عندما تمت سرقة الثورة خرجت ثقافة آخر خمسين ومائة سنة القائمة علي الأخذ باليد والاحتلال والاستغلال، حتي وصلنا إلي ما نحن فيه الآن، وهو صراع القوة، أو صراع علي كراسي السلطة.

وبرأيك ..إلي أين ستؤدي هذه الثقافة بمفهومها الذي ذكرت؟

الدولة تتحد في حالة الهجوم الخارجي مهما كانت الخلافات الداخلية، فإسرائيل مثلاً بها يهود من كل دول العالم بينهم خلافات شديدة، ولكن وقت الحرب الكل ينصهر في بوتقة واحدة، وكذلك عندما احتل الإنجليز مصر، فالاحتلال الخارجي يكون دافعًا قويًّا لتوحد الشعب، ولكن الذي أثُر في مصر وضربها في مقتل هم العثمانيون، لأنهم دخلوا عن طريق الدين.

هدف واحد

ولكن الأخطار محدقة بنا بالفعل من كل جانب، ومع هذا فالخلافات تزداد حدة.. فما قولك؟

نحن نحتاج إلي هدف واحد، فالأمة المصرية اتحدت عندما هاجمها عدو خارجيّ، لكن الأعداء الذين أثروا في الشعب المصري هم الذين دخلوا عن طريق ادعاء الإيمان بالله، وهذه المنطقة هي الوتد الرئيسي للشعب المصري ويسهل التأثير عليه في هذه الناحية، ولذلك لم يترك الفرنسيون ولا الإنجليز تاثيراً كبيراً في الشعب المصري، بعكس الشيعة الفاطمية مثلاً، الذين أثروا في بعض العادات، فبقيت العاشوراء والأرز باللبن وغيرها من مظاهر الاحتفال بمولد النبي وآل البيت، فكل ما يدخل عن طريق الدين يؤثر في الشعب المصري.. وخطورة ما يفعله الإخوان المسلمون الآن أنهم يؤثرون علي المكّون الرئيسي للدولة وللشخصية الرئيسية للشعب، وهذا ليس منطقيا، لأننا لدينا كوارث أخري يجب أن ننتبه إليها مثل الفقر والمرض والأمن القومي، وتآمر دول كثيرة علي مصر.. فكل هذا الذي يحيط بنا، نحن لا نهتم كثيراً به للأسف.

إذن أنت ترفض التداخل الحادث الآن بين الدين والسياسة؟

طبعاً، لأنك هنا تلعب في أخطر مكان للمكون الرئيسي للشخصية المصرية، ولذلك ستجد كثيراً من الناس يقولون لك إنه تم خداعهم لأنهم كانوا يتصورون أن حديثهم هو الطريق إلي الله..فإذا به يتحول إلي الطريق نحو صناديق الانتخابات.

إذا كان الإيمان بالله هو المكون الرئيسي للشخصية المصرية، كما قلت، فكيف تفسر الاختلافات الحادة بين الجماعات الإسلامية الممارسة للعمل السياسي؟

السلفيون لهم مدخل في الدين أحترمه، وهو أننا يجب أن نكون مثل السلف الصالح، وكأن الزمن توقف، والإخوان يقولون إن لهم مدخلاً آخر.. وهذا الانشقاق بينهما يوضح أن الموضوع غير متعلق بالدين، وإنما بالكرسي السياسي، وأن الصراع المحتدم الذي يتم فيه استغلال الناس سيئ جدًّا، لأنهم ببساطة شديدة لا يريدون الاعتراف بأنهم غير مؤهلين سياسيًّا، خاصة عندما يتصورون أنه قد يوجد فصيل في العالم يستطيع أن يجبر الشعب أن يسير خلفه، ويبدو أن قارئي السياسة عندهم مستواهم ضحل لدرجة أن يتصوروا ذلك، فالإجماع لا يكون إلا في الظواهر الطبيعية، أي أن الشمس تشرق من الشرق وتغرب من الغرب، لكن لا يوجد إجماع علي السلوك، بل إن الأنبياء أنفسهم في وقت إرسالهم لم يكن عليهم إجماع..فكيف يكون هناك إجماع علي المرشد أو الرئيس؟ فليس عيبًا أن يعترض الناس علي الإخوان ويقولوا لهم إن ما تفعلونه يحتاج إلي دراسة أكبر.

أساءت لنفسها

وما تقييمك أيضًا للجانب الآخر من المعادلة..أي المعارضة الممثلة في جبهة الإنقاذ؟

جبهة الإنقاذ مجموعة من الناس الذين يّدعون أن الدولة أهم، ولكن في الحقيقة كراسيهم أهم، فعندما جاء وقت الانتخابات الرئاسية كانت هناك اقتراحات لتكوين جبهة من المعارضة لمواجهة جبهة الإخوان، علي أن يتم الاتفاق علي واحد منهم، ولكن للأسف كلهم رفضوا، فالجميع يريدون الكرسي، والآن لا يجدون من يقف معهم، حتي شباب الثورة تخلوا عنهم ورفضوا أن يقودهم أحد، فالحقيقة أن جبهة الإنقاذ هي من أساءت إلي نفسها، فليست عندهم فكرة العمل الجماعي، وهذا ما أدي إلي تدهورهم، لذلك لا أري في جبهة الإنقاذ ما يدعو إلي التفاؤل.

ولكن ألا تري أن الثوار أصبحوا عبيداً لفكرة الثورة، بمعني أن الثورة عندهم لا تقف عند حدًّ معين؟

هناك ما يُسمي بالطب النفسي السياسي يبرر هذا، فأنا كثائر لماذا أثور، لأن هناك شيء لا يعجبني، فالثوار عندنا ثاروا وقاموا بهدم جزء من الكيان الفاسد الذي كان موجودًا، للخروج بشخصية جديدة للبلد، تحمل فكرًا مختلفًاً، فماذا حدث؟ قمنا بقهر هؤلاء الشباب الذين قاموا بالثورة، وأيضًا قمنا بقهر ثائر آخر هو الألتراس، فلا يوجد واحد من هؤلاء حصل علي منصب واحد حتي الآن، وبعد ذلك عندما قام الألتراس ببعض التدخلات لتدعيم الثورة، هاجمهم الجميع، وقد قلت لهم إن الألتراس شباب متحمس لهم شق رياضي فيجب أن ندعم به مراكز الشباب في الأقاليم، وخاصة أنهم شباب يحب بلده جدًّا، ويحب الرياضة فنستطيع أن نستغله في عمل نهضة رياضية.. ولكن لا حياة لمن تنادي.

خطورة التهميش

لكن بعض خبراء الأمن يؤكدون أن هذه التجمعات سواء الألتراس أو البلاك بلوك تحمل بعض الخطورة علي الأمن.. ما تعليقك؟

هذا غير صحيح، إذا قمت بتهميش أي فئة تصبح خطيرة فكيف أقوم بتنظيف المنزل من أجلك برموش عيني، ثم تطردني خارج البيت، وإذا طرقت الباب، تتهمني بالإخلال بالأمن.. فلابد أن نفهم كيف نغير فكرة أن كل من يخالف الحاكم يصبح عدوًّا، حيث يجب أن يكون لدينا رأي مختلف..فهل يعقل أن نذهب لنسمع أعداءنا ولا نسمع لأبناء بلدنا.

هل تعتبر أن الحرق والتدمير والاعتداء نوع من الثورية وليس الفوضي؟

هذه أمور سوف تزداد، لأننا نتعامل مع العرض وليس المرض، فالمرض يتمثل في المجموعة الحاكمة سواء مكتب الإرشاد أو مجلس الوزراء لا يريدان التواصل مع الشعب، ولكن يتواصلان فقط مع الإخوان ومن ينصتون إليهما، وهذا مهم أيضًا، ولكن علي الرئيس أن يسمع لكل الأطراف، لأنه رئيس لكل المصريين وليس رئيسا للإخوان فقط، مادام قد ارتضي أن يكون زعيمًا لكل الدولة، فلا يصح أن يتحيز للإخوان علي حساب الشعب المصري، فهذا هو المرض، وبالتأكيد سنري غضبا كرد فعل لذلك،.. فماذا تتوقع إذا قمت بتفضيل أحد أبنائك علي الآخر..بالتأكيد سيشتعل بيتك، فأخطر أنواع الغيرة كما يقول الكاتب العالمي نجيب محفوظ هي غيرة الإخوة.

لا قيمة للجلسات

كيف تفسر عدم التوصل إلي نتائج ملموسة في جلسات الحوار التي تدعو إليها الرئاسة؟

جلسات الحوار بدون اتفاق علي طبيعة ما سنناقشه لا قيمة لها.. ومعلوم في أدبيات الحوار فكرة أنت تكسب وأنا أكسب، وإذا فشلت المواجهة نأتي بوسيط محترم له قبول لدي الطرفين، ونصل إلي المكسب المتبادل.. وإذا فشلت الوساطة فليس لديك سوي المحكمة الدستورية -التي تظاهروا عندها- فليس بعد كل هذه الأساليب سوي العنف.. ونحن في هذه المرحلة الآن، لأنه تم تجاهل كل المراحل السابقة، فهذا هو المرض، ورغم ذلك فنحن لا نزال نتحدث عن العرض.. ونتعجب هل معقول أن يحدث كل ذلك.. بالطبع معقول وسوف يحدث ما هو أخطر من ذلك ما دمنا نفكر بهذه الطريقة.. وأعتقد أن علنية جلسات الحوار ستوضح للشعب مدي جديتها، وإذا ما كانت جبهة الإنقاذ تمثل مختلف تيارات الشعب أم لا.. ولا أقول إن أعضاء جبهة الإنقاذ أنبياء، بالعكس لأني ضدهم تمامًا، لأنهم لم يظهروا الفكر الخاص بنصف الشعب الآخر واختلفوا فيما بينهم، وأدخلونا في متاهات لا لزوم لها.

هل تعتقد أن رجل الشرطة أصبح يشعر بانهزامية منذ الثورة حتي الآن ولذلك لا يستطيع أن يقوم بعمله كما ينبغي؟

الشرطة تشعر بالانهزامية منذ فترات طويلة، وقد عملت لما يقرب من سبع سنوات في مستشفي الشرطة، وكنت أري دائماً أن هيئة الشرطة تقوم علي شكل هرم علي رأسه الوزير ومساعدوه واللواءات الكبار، وهؤلاء لهم توجهات خاصة بالوزير الذي له هو الآخر توجهات خاصة بالرئيس.. وبعد ذلك تأتي مجموعة أخري من العمداء والعقداء راغبي الترقية إلي رتبة اللواء، ثم بقية الضباط الصغار، والجميع يحاول تنفيذ الأوامر حتي يحصل كل منهم علي ما يريد وحتي لا يتعرض للنفي في أقاصي الصعيد مثلاً، وهؤلاء الضباط الصغار كان يقع عليهم ظلم كبير فيقومون بإخراجه علي الجمهور، وعندما حدثت الثورة اقترحت علي وزارة الداخلية تقديم إعداد نفسي للضباط، وكذلك عرضت علي وزارة التربية والتعليم، تقديم تأهيل نفسي للمعلمين..وتم -والحمد لله- تجاهل الاقتراحين!

رغم كل ما يحدث الآن.. هل أصبحت الشخصية المصرية في أدني مستوياتها لصالح شخصيات عربية أخري؟

بالعكس، فلا تزال الشخصية المصرية هي القدوة، ولا تزال مصر رغم الظلام الذي نعيش فيه هي النور الذي يضيء الطريق للأمة العربية.

إلي أي مدي حققت الثورة أهدافها؟

لا شيء تحقق حتي الآن.

هل يعني هذا أنك متشائم؟

هناك شيء علمي أراه عندما يصل الإنسان إلي قاع حمّام السّباحة، لابد أن يخرج وإلاّ مات.. وهذا الشعب لا يموت، وعندي تصوّر أنها ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت.. وعندي احتمال ثالث وهو جينات الشعب المصري نفسه الذي تعامل مع ظروف أسوأ من هذه بكثير، فاعتماداً علي التاريخ، وقوة الإنسان المصري، واعتماداً علي تفاؤلي بأن الله يحرس هذه الأمة، وأن هذا الشعب هو أفضل شعوب الأرض.. لذلك أنا متفائل بأن شعبنا سيكون أكثر حرصاً علي بلده.

учимся рисовать мастер класс по изо