الاكتئاب والإحباط والقلق ثلاثي "صدمة فشل الثورة"

смотреть трейлеры фильмов 2013
كان ياما كان.. جدع حليوه.. «لذيذ» اسمر بضحكة ترد الروح.. بنكتته.. بيداري بلاوي.. كريم .. جدع .. شهم .. قوي حليم.. صابر.. ثائر. إذا شاف غيره حزين قال «هتروق وتحلي» ولو لمح تكشيرتك يقولك.. النبي تبسم، المصري «أبو دم خفيف».. حاله.. أصبح غير الحال.. غابت ضحكته.. وايده اصبحت «سابقة لسانه» عبوس الوجه.. حاد.. متوتر.. عنيف.. خائف.. متحفز.. مخنوق.. لا ينام من «الفكر والقلق».

 

وبات الاكتئاب والاحباط واليأس امراضاً يستهلك من أجلها المصريون دواء ينافس دواء السكر والضغط والقلب.. مر عامان علي ثورة يناير.. حل اليأس مكان الأمل وانهارت الأحلام علي صخرة.. فشل وطمع من سلبوها من اصحابها.. تبدلت أحوال الناس.. وحاصرتهم الأمراض النفسية.. وغاب عن المصريين أحلي ما فيهم!.

الشارع هو المقياس الحقيقي لأحوال أهل بلدنا.. دقق النظر فيمن حولك جيداً في البيت.. في الشارع.. في العمل.. في الاتوبيس أو الميكروباص. صحيح أن الأرقام والاحصاءات تعطي دلالات وتكشف حقائق لكن الواقع يبقي هو الدليل الأكبر علي ما أصاب المصريين من اضطرابات نفسية.. تتدرج من مجرد الحزن وفقد الضحكة الذي يعبر عنه البعض ببساطة بجملة «أنا مكتئب» وتصل إلي درجة فقد السيطرة علي النفس واستخدام لسانك أو يمدك في الرد علي إساءة أو تجاوز لتكتشف أنك متوتر وعنيف.. الفتاة أو المرأة المسكينة التي تحبس انفاسها أو تنتفض أو تجري عندما يمر بجوارها موتوسيكل.. وتحتضن حقيبتها وتغلق عليها يديها.. هي متوترة وقلقة وخائفة وقد يصل الأمر لديها إلي درجة الفوبيا عندما تفزع لمجرد رؤية شخص ملامحه غير مريحة أو تقرر ألا تنزل من البيت أو تمنع أولادها من الذهاب إلي المدرسة وتبني في خيالها حكايات عن هجوم البلطجية أو خطف «ضناها».

هناك فتيات يصرخن بشدة إذا سار بجوارهن شخص لمدة طويلة «بالصدفة».. كثيرون منا خائفون ومصابون بالقلق والتوتر.. وكثيرون يؤكدون أنهم «مكتئبون» لكن البعض فقط هو الذي يحاول أن يقتنع بأن المسألة وصلت عنده لدرجة المرضي ويقرر الذهاب لاقرب مستشفي حكومي أو عيادة خاصة للعلاج النفسي.

في إحدي العيادات الخاصة بالأمراض النفسية بأحد المستشفيات الحكومية جلست أتفحص الوجوه واسمع الحكايات كانت هناك ملاحظة حاكمة لما سارت عليه طريقة عملي.. الأعداد كبيرة ومتنوعة ورجال ونساء وأطفال.. الملاحظة الأخري أن الجميع يعتبر نفسه في مهمة سرية فلا ينظر لأحد.. ويتحدث بصوت منخفض وكان المؤكد أن احداً لا يريد أن يعرف أحد عنه شيئاً.

بصعوبة شديدة اقترب من أم أو شابه كانت تجلس بجوار رجل في مثل عمرها أو يكبرها قليلا علمت منها أنه زوجها.. وبصعوبة شديدة أيضاً عرفت أن سبب مجيئها أن الرجل مر بأزمة نفسية شديدة إذ قابله ثلاثة بلطجية منذ ثلاثة أشهر وسرقوا حافظة نقوذه وموبايله وانهالوا عليه ضرباً، قالت: قلت له في داهية الفلوس المهم إنهم سابوك.. يقولي.. أنا انضربت يا أم أحمد وتستطرد الزوجة.. بعدها لاحظت أنه لا يريد الذهاب إلي عمله ويغلق علي نفسه حجرته لا يخرج منها إلا للحمام ولا يأكل إلا عيش حاف ويشرب مياه وإذا دخل إليه أحد الاولاد صرخ في وشه.. ولما استمرت هذه الحالة لأكثر من شهرين وأرسل لي صاحب العمل أنه سيطرده إذا لم يأت وهو يرفض.. نصحتني أمي بالمجىء إلي هنا إلي العيادة النفسية «علشان يشوفولو حل» هو لم يعارض لأنه حاسس أنه محتاج علاج ومش طبيعي.

حالة أخري لرجل اصطحبه أخوه الأصغر والمريض «يبدو في العقد الرابع من عمره» أكد لي شقيقه أنه كان «موظفاً» محترماً في مجمع التحرير.. وكانت عينه علي الأحداث طوال الفترة الماضية ومنذ قيام ثورة يناير قال الأخ الأصغر: كان يأتي ويحكي لنا عن الثوار وقنابل الغاز.. والباعة الجائلون ومشاكلهم مع الشباب وفي الأحداث الأخيرة كان ذاهباً لعمله كان ذلك يوم ثلاثاء وسمع طلقاً نارياً في «خناقة» لا يعرف أطرافها لكن من الواضح أنها كانت قريبة منه.. لاحظنا بعدها أنه متوتر جداً «وبيتلخبط» في الكلام.. وأحياناً يبكي عندما يشاهد البرامج السياسية ويقول «الله يخرب بيوتهم ويكرر هذه الكلمة» ولا يتحدث أكثر من ذلك وهو كان رافضا لموضوع المستشفي لكني أقنعته أن فيه مشكلة وأثناء حديثه نظر إلينا الأخ الأكبر وقال لي: أنا حزين علي حال البلد وبصرخ علشان كده هما فاكرين أني عيان.. وأنا زي الفل البلد هي اللي خربت.. الله يخرب بيوتهم وظل يكررها بصوت خفيض..

هذه الحالات وغيرها كثير زاد شكل ملحوظ وبالفعل زادت أعداد المصابين باضطرابات نفسية مرتبطة بالأوضاع الحالية، وتعددت الدراسات والإحصاءات التي تشير إلي أن أعداد المصابين باضطرابات نفسية بعد الثورة خاصة مع عدم لجوء كل من يعانون من هذه الاضطرابات إلي عيادة الطبيب النفسي وصعوبة إحصاء المترددين علي العيادات الخاصة إذا ما امتنعوا بذلك.. وتبقي المستشفيات الحكومية هي المؤشر الأكثر تدليلاً علي الواقع الحقيقي لخريطة الأمراض النفسية للمصريين والتي بدورها تؤكد ازدياد أعداد المترددين عليها في العامين الأخيرين لأكثر من 600 ألف مريض، أما الدراسات المتخصصة لجهات عديدة، فتتجه هي الأخري إلي تنامي اعداد المصابين بالأمراض النفسية بعد الثورة ومن الواضح أننا سنواجه عجزاً في عدد الأطباء النفسيين الذين سنصبح في حاجة إلي المزيد منهم بعد أن تزايدت أعداد ضحايا الاضطرابات النفسية فوفقاً لأرقام وزارة الصحة كان عدد الأطباء النفسيين علي مستوي الجمهورية 567 طبيب فقط منهم 34 استشاريا و80 إخصائياً فضلاً عن المساعدين الإخصائيين والأطباء المقيميين وأطباء التكليف في حين أن 7 فقط من كل 100 مريض نفسي هم من يترددون علي العيادات النفسية والباقي لا يدرك أنه مريض نفسيا أو لا يرغب في أن تقتنع بأنه وقع في اضطراب أو مرض نفسي.

وطبقاً لدراسة الدكتور محمد غائم رئيس قسم الأمراض النفسية والعصبية بجامعة عين شمس فإن 17٪ من المصريين أصيبوا باضطرابات نفسية و10٪مصابون بالوسواس بسبب الإحباط.. فيما ذهبت دراسات أخري إلي إصابة خمس المصريين بأمراض نفسية من اكتئاب ووسواس قهري ورغبة في العزلة في إشارة إلي أن شاعر الإحباط تزايدت بعد ثورة يناير نظراً فترة طويلة دون أن يلمس الناس ما طمحوه في الثورة بل إن الأوضاع ساءت وتشير الدراسات إلي زيادة معدلات استهلاك الأدوية النفسية والعصبية جاءت في المرتبة الثانية بعد مسكنات الآلام وعلاجات مرض السكري.

والحقيقة أن جماعة الأطباء قد نبهت مبكراً للحالة النفسية التي آل إليها حال المصريين بعد الثورة ليجتمع عدد كبير منهم من المتخصصين في الطب النفسي وعلم النفس بقصد رصد ودعم الحالة النفسية للمصريين وتنوعت محاور الرصد في رسم الحالة النفسية بعد الثورة في الصدمة والخوف والتعصب والإحباط وقد نبه الخبراء إلي أن استمرار حالة الإحباط قد تؤدي لسلوكيات سلبية عديدة، كما أن حالة الشك والتخوين بدأت مركزه حول رموز النظام السابق نتيجة ميراث الفساد الذي أصابوا به البلاد وأثر علي حياة المواطنين إلا أن دائرة الشك بدأت تتسع لتشمل كل من يخالف أحدا في الرؤي فكثرت الاتهامات المتبادلة بعداوة الثورة أو الفساد أو الانتماء لأي تيار أو قوي مغيرة لما ينتمي إليه الفرد.

أكدت دراسة مشتركة بين وزارة الصحة والجامعة الأمريكيين أن 60٪ من الأفراد موضوع الدراسة أصيبوا بما يسمي «كرب ما بعد الصدمة» وصدر هذه الصدمة للمصريين تدهور الأوضاع المالية بنسبة 27٫8٪ التعرض أو مشاهدة عنف بالطريق بنسبة 47٪، أما المصدر الرئيسي للصدمة فكان مشاهدات العنف من خلال شاشات التليفزيون ولعل الأمانة العامة للصحة النفسية بوزارة الصحة قد قامت بدور إيجابي بفتح نوافذ لاستقبال ضحايا الاضطراب النفس عبر المستشفيات الحكومية والمراكز الصحة النفسية التابعة لها علي مستوي الجمهورية، وكذلك فتح خط ساخن لمساعدة المرض في هذا الاتجاه.

وتشير أرقام وزارة الصحة إلي أن هناك 600 ألف حالة ترددت علي المستشفيات الحكومية الخاصة بالصحة النفسية خلال العامين الأخيرين، من جانبه أكد الدكتور عارف خويلد أمين عام الصحة النفسية بوزارة الصحة أن مستشفي العباسية وحده استقبل 10 آلاف حالة وهناك 15 مستشفي تابعة للإدمان، بالإضافة لمركزين للعلاج النفسي لكن الأكبر هو العباسية والخانكة، بالإضافة إلي عدد المترددين علي العيادات الخارجية، في حلوان والمعمورة وغيرهما.

وواكب ذلك أيضاً زيادة الخدمات المقدمة للمترددين فهناك سبعة مستشفيات تقدم خدماتها للأطفال والمراهقين وكان الأمر قبل سنتين في مستشفي واحد وأصبحت الآن الأرقام مجمعة، ويؤكد الدكتور عارف أن الأمراض النفسية لها استعداد وراثي تبدأ الأمور بالتعرض لضغوط تتفاعل مع الجينات فيظهر المرضي ومع عدم القدرة علي الوصول للأهداف والاكتفاء بالاحتياجات الأساسية ممكن يظهر المرض النفسي، ونحن بالفعل نري حالات تعبر بطريقة ما عن الإحباطات والفقر وعدم الأمان ومع طول الفترة الانتقالية أصيب الكثيرون بمشاعر خيبة الأمل والإحباط، خاصة مع عدم وضوح الرؤية وقد انضمت فئات كالأطفال والشباب وربات البيوت إلي دائرة الإحباطات والأمراض النفسية ولجأ الكثيرون منهم إلي إدمان الترامادول.

ويشير الدكتور خويلد إلي أن الشكاوي من اضطرابات نفسية اختلفت في محتواها ما بين عدم الشعور بالأمان أو الخوف من مجرد النزول إلي الشارع وهناك نسبة عالية من المترددين علي العيادات الخارجية بالمستشفيات تقع تحت تأثير مجموعة الضغوط الكثيرة التي يمكن أن تؤثر في الصحة النفسية للإنسان وقد يكون قلة الدخل أو عدم الشغل أو الخوف من المجهول أو مجرد التغيير.. لأن هناك أشخاصا متأثرين سلبياً بمجرد التغيير وتحدث لديهم اضطرابات بالإضافة إلي الخوف من المجهول وقد يكون العنف الذي نراه في المجتمع الآن ليس بسبب الجينات فقط ولكن العوامل الاقتصادية، الزحام، عدم وضوح الضوابط التي تتحكم في العنف أو هي مهزوزة، وبالتأكيد فإن البلطجة وأحداث العنف والانفلات الأمني أثر بشكل واضح في الحالة النفسية للمواطنين بالإضافة إلي زيادة سقف التوقعات بعد الثورة من تحسن في الأحوال المعيشية.

ويشير الدكتور عارف خويلد إلي ملاحظة مهمة في خريطة مدمني الترامادول قائلاً: لقد دخلت علي الخط فئة أخري لإدمانه هي ربات البيوت والتي لوحظت كثرة أعدادهن في الأونة الأخيرة.

الدكتور هاشم بحري أستاذ الطب النفسي أكد أن أي اضطرابات نفسية تكون ذات صلة وثيقة بالمجتمع المحيط سواء علي مستوي الشخصي أو الأسرة أو المجتمع، فأي ضغوط علي الإنسان تصيبه بالتوتر وإذا كان هناك تفاؤل بالمستقبل، وكان هناك تخطيط تتم السيطرة علي القلق تدريجياً وفي العامين الأخيرين كانت الرؤية مشوشة، وبالتالي أصيب الكثير من الناس بالتوتر، خاصة مع طول الفترة الانتقالية وعدم وضوح الرؤية والحل للمشكلات التي تظهر وتتفاقم علي كافة المستويات وأصيب الناس بالخوف من بكرة ولا يوجد تنفيس عن التوتر لشعور الكثيرين بانعدام وجود دور لهم في الحياة والبعض أصيب بالاكتئاب الذي يزيد من حالات الخوف من المستقبل وفي الفترة الأخيرة، المصريون وجدوا أنفسهم محاصرين بارتفاعات في الأسعار وكلام عن قروض وإفلاس مع شعورهم تدني أحوالهم المعيشية.

سألت الدكتور هاشم بحري عن ملاحظاته علي خريطة المرض النفسي الآن وارتباطها، بالعنف فقال: الجرائم بين المجال الطبي تزيد بمعني أن المحامين استسهلوا الآن فكرة ربط الجريمة بالمرض النفسي والمحاكم تستدعين كثيراً لبحث الحالة النفسية في الجرائم، ومركز الطب النفسي الشرعي شاهد علي ذلك فهو يستقبل 4 حالات اسبوعياً بعد أن كانت حالة واحدة كل أسبوع، سألت الدكتور هاشم:

< هل دخلت نوعيات جديدة دائرة الأمراض النفسية؟

<< ليست نوعيات جديدة لكننا استقبلنا ضباط شرطة ورجال أعمال في عياداتنا.. فضباط الشرطة يعانون من أزمة 25 يناير وصوتهم في الشارع وكيفية أداء عملهم في ظل اتهامات طاردتهم بالتسبب في إراقة الدماء وكانت مسألة عودة الثقة جزءاً كبيراً من معاناة بعض رجال الشرطة واستقبلنا أيضاً رجال أعمال كثيرين لحقهم ضرر كبير بعد الثورة وعانوا من اضطراب الأموال وصفوا مشاريعهم وحاصرتهم الديون وبعضهم أغلق مصانعه وأصيب باكتئاب، مؤكداً أن بعض هؤلاء أقدم علي الانتحار، هناك أيضا الأطفال وقليلو الخبرة في الحياة فكلما كان الإنسان قليل الثقة في نفسه وضعيفاً تزيد احتمالية إصابته بالاضطرابات النفسية.

ويشير الدكتور هاشم بحري إلي زيادة حالات الإصابة بفوبيا الأماكن الواسعة من كثرة مشاهداتهم لأحداث التحرير والاتحادية وبعضهم أصيب بفوبيا الأماكن المظلمة.

أما من يسيرون في الشوارع والحديث مازال للدكتور هشام بحري وقد رأينا منهم الكثير في الفترة الأخيرة بعضهم يتخيل نفسه قائد الثورة ويتحرك في الشوارع علي أنه زعيم، هؤلاء متأثرون هنا بما يسمي «اضطراب العظمة» حيث يهيئ له أنه محرر الشعب المصري أو أنه المهدي المنتظر وهذه الحالات مرتبطة بالموجه السائدة.. فعلي سبيل المثال أيام معمر القذافي كنا نشاهد مرضي يرتدون مثل ملابسه ويتحدثون بطريقته ويقول كل علي نفسه «انا القذافي» وهؤلاء لا يؤذون أحداً إنما يتأذون ويلحقون الضرر بأنفسهم.

اقرأ المقال الأصلي علي بوابة الوفد الاليكترونية الوفد - الاكتئاب والإحباط والقلق ثلاثي "صدمة فشل الثورة"

учимся рисовать мастер класс по изо