"الوادي" ترصد الإضطهاد الديني في مواجهة دولة المواطنة

смотреть трейлеры фильмов 2013
"الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها".. كلمات جاءت علي لسان الرئيس الراحل أنور السادات بعد أحداث الزاوية الحمراء فى أعقاب زيارته للقدس المحتلة، وتوقيعه لمعاهدة كامب ديفيد، وأخذت حوادث الفتنة الطائفية تحدث وتتكرر من آن لأخر. ونكاد نقول إنه منذ عام 1972 وواقعة "الخانكة" الشهيرة وقعت مئات الحوادث الطائفية المعلنة وغير المعلنة، الكبيرة والصغيرة، وفى كل مرة تتم معالجة المسألة بنفس الطريقة على طريقة دفن الرؤوس فى الرمال دون البحث عن الأسباب الحقيقة ومحاولة علاجها .

 

يحدث ذلك فى مصر ويتكرر دائما كلما نشبت مشاجرة احد طرفيها قبطى، فتتحول فى لحظات إلى صراع طائفي دينى ينتهى دائما بتحطيم وحرق ممتلكات الطرف الأضعف وهو هنا الأقباط، مع كيل الأتهامات بالعمالة وعدم الوطنية والغريب ان من يفعل ذلك هو من يصرخ طالبا مساندة العالم للأقليات الأسلامية، حينما تنتهك حقوقها فى بلدانها بنفس الطريقة أو بدرجة اقل.

وأخر تلك الحوادث الطائفية.. مشاجرة بين مكوجى قبطى وشاب مسلم فى "دهشور" جنوب الجيزة انتهت بحرق بيوت ومحلات الأقباط ومحاولة الأعتداء على كنيستهم، مع تهجيرهم قسراً من منازلهم بالقرية، وقتل خلال الأشتباكات أحد الشباب المارين بالصدفة دون أن يكون مجرد طرفاً فى الحدث، وبالتالى تكَون ثأراً يهدد باستمرار اشتعال الحريق، ما لم يتحرك المجتمع وليس الدولة فقط نحو حل جذرى لقضية حقوق الأقباط كجزء من حقوق المواطنة فى الدولة الحديثة.

لم تكن تلك الواقعة الطائفية الأولي من نوعها فقد سبقتها عشرات بل مئات الحوادث التي لن تكون الأخيرة ما لم يكن هناك احتراما للقانون والدستور والمواطنة.

ولقد شهدت مصر منذ مطلع السبعينيات سلسلة من التفجيرات الطائفية بين مسلمين ومسيحيين بلغت أكثر من مائتي حادثة طائفية، أولاها واقعة الخانكة عام 1972 ثم دمنهور وأحداث أخرى أعوام 1975 و1976 و1977، حينئذ اضطر "السادات" لعزل البابا شنودة من الكنيسة وتحديد اقامته عقب إحراق إحدي الكنائس بقرية بمحافظة الفيوم .

وتعد حادثة حرق كنيسة الخانكة بالقليوبية عام 1972 بمثابة الشرارة الأولى لحدوث بما يسمى "نزاع دينى طائفى"، وفي سبتمبر 1981 وقعت أحداث الفتنة في الزاوية الحمراء، خاصة بعد ان أعلن مسلمون عن حقهم في قطعة أرض اعتزم بعض الأقباط اقامة كنيسة عليها وتحول من شجار عادي بين الجيران الى معركة مسلحة.

في الوقت الذي أطلقت فيه الجماعة الإسلامية المتطرفة مبدأ استحلال محلات الذهب المملوكة للأقباط والتعدي علي الكنائس والأقباط وبلغت الفتنة ذروتها في الخامس عشر من أغسطس عام 1998 في قرية الكشح بمحافظة سوهاج والتي يبلغ عدد سكانها 40 ألف نسمة 70% منهم أقباطا أي ما يقرب 30 الف نسمة بعد وجود جثتين من الأقباط على مشارف القرية وتلفيق الامن التهم لسكان القرية.

ولم يمض وقت طويل علي حادثة الكشح الأولى حتى تفجرت داخل القرية مذبحه أخري في بداية عام 2000 عرفت وقتها بالكشح الثانية بسب خلاف بين تاجر قبطي وزبون مسلم، تم على إثرها ذبح 19 قبطيا وحرق اثنين آخرين علي أيدي متطرفين.

وتكررت أحداث الفتنة الطائفية في الكشح خلال عامي 1999 / 2000 عندما اتهم الأقباط بتحويل مضيفة في القرية إلي مكان للصلاة لعدم وجود كنيسة بالقرية وقام بعض المسلمين المتطرفين بحرق المضيفة ومقتل 20 قبطيا ومسلم واحد. وشهدت محافظة المنيا في نفس الفترة عنفا طائفيا في قرى (منقطيني وبني واللمس ومغاغة وسمالوط) ووقعت أحداث طائفية أخرى في البحر الأحمر بسبب وقوع سور أحد الأديرة وشروع الكنيسة في إعادة بنائه دون رجوع للجهات الأمنية.

ثم أحداث صحيفة النبأ وراهب دير المحرق، وقضية إسلام (وفاء قسطنطين) زوجة أحد الرهبان في أبوالمطامير واختفائها، وكذلك اختفاء فتيات مسيحيات وظهورهن بعد الإعلان عن اعتناقهن الإسلام واخرهن "كاميليا شحاته" وتظاهر نحو 15 ألف مسلم يوم الجمعة 12 أكتوبر 2005 ومحاولتهم اقتحام كنيسة مار جرجس وتصدي الشرطة لهم وسقوط ثلاثة قتلى وإصابة 143 واعتقال 150 من المتظاهرين بعد تردد أنباء عن تمثيل مسرحية طائفية بعنوان "كنت أعمى والآن أبصر"، تحكي عن شاب ترك المسيحية واعتنق الإسلام، ثم عاد للمسيحية مرة أخرى.

وفي الصعيد تفجرت أزمة جديدة داخل قرية العديسات بمدينة الأقصر عندما قرر أحد المواطنين تحويل بيته لكنيسة

ومن العديسات لقرية "بمها" في العياط وتحديدا في الحادي عشر من مايو لعام 2007 بمحافظة الجيزة عقب توزيع منشور علي المصلين يحرضهم على التحرك لمنع الأقباط من بناء كنيسة في منزل (مجدي حنا) وهاجم بعض المتطرفين المنزل ودمروا عشرات المنازل والمحلات .

واشتعلت حاله الاحتقان الطائفي لتسفر عن وجهها القبيح في أحداث نجع حمادي مع بداية العام الميلادي الجديد عندما قام متطرفون بإطلاق نار عشوائي علي مجموعه من الأقباط في عيد الميلاد المجيد أسفر عن مقتل 8 أشخاص وصولا إلي أحداث كنيسة الماريناب ودهشور والاعتداء علي كنيسة مارجرجس والقائمة مازالت طويلة ومفتوحة لأحداث طائفية أخرى.

وهذا ما دفع "الوادي" لعرض القضية علي علماء الإجتماع والنفس والخبراء السياسيين لتحليل تلك الظاهرة التي تتحول إلي فتيل نار قابل للإشتعال في وجه الجميع ووضع الحلول الجذرية لها حتي لا يتكرر حادث دهشور من جديد ليدفع الوطن فاتورة ذلك في نهاية الإحتقان الطائفي.

لقرون طويلة عاش الأقباط فى مصر كمواطنين ثانويين أو كما يقول الدكتور عماد جاد، الخبير بمركز الاهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، "درجة تانية" يدفعون الجزية وممنوعين من الوصول للمناصب القيادية فى الجيش والدولة، وتلاعبت الدولة بالقضية من خلال تكفلها بتقديم تمثيل رمزى احيانا فى الوزارة او البرلمان من خلال التعيين، لتجميل الصورة وابراز حياديتها.

ورغم ذلك ينتشر بين المسلمين اعتقاد تغذيه التيارات الأسلامية، بأن الاقباط يسيطرون على الدولة، وأن الكنيسة هى من يحكم مصر، وانهم مدعومون من القوي العظمى الأمريكية والغرب للسيطرة على ما تبقى من مصر.

وأضاف "جاد" بأن هذا الأعتقاد خدمته مصالح الدولة الاستبدادية الرأسمالية فى مصر لسنوات طويلة عبر توجيه غضب المقهورين بعضهم تجاه بعض بدلا من توحدهم فى مواجهة عدوهم المشترك وهو دولة رأس المال التى تستغلهم وتفقرهم معا، وتضطهد حقوقهم الأقتصادية والأجتماعية بل والأنسانية فى العيش بكرامة.

كما يخدم هذا الأعتقاد حسبما يروي "جاد" مصالح الحركات الأسلامية المدعومة، لتبرير تطرفهم بانه تصدى للهجمة الصليبية المدعومة بعملاء الداخل، والساعية للسيطرة على بلادهم ونزع صفة الأسلام عنها.

ويُرضى هذا الوهابيين فى المملكة العربية السعودية الساعين لتقديم انفسهم كحامى حمى الاسلام ورأس حربة الدفاع عنه فى مواجهة الشيعة أحيانا، والصليبية أحيانا أخرى، على الرغم من ان بلادهم هى من أدخل الأمريكان لأراضى اسلامية بجيوش وتسليح غير مسبوق للعدوان على بلد "اسلامى" أخر وهو العراق.

على الجانب الأخر، يري جمال اسعد ، المفكر القبطي أن الفتنة أحياناً ما تخدم مصالح الكنيسة، الساعية لتقديم نفسها علي أنها حصن الأقباط، والحضن الأمن الوحيد الذى يجب عليهم السكون اليه، والخضوع له دائماً لمواجهة العداء المتصاعد تجاههم، وعدم الأندماج فى المجتمع، أى تقديم أنفسهم كاقباط وليس كمصريين.

بينما الأمريكان يرضيهم هذا السياق الذى يسمح لهم بالتدخل أحيانا ليس لصالح الأقباط كما ينتشر فى الوعى العام، بل للمتاجرة بهم لنيل تنازلات من الحكومات المصرية المتتالية فى قضايا أخرى، على رأسها مصالح إسرائيل، والسياسات الاقتصادية والعسكرية والنفوذ الأقليمى.

وعلي الجانب الإجتماعي يحدثنا الدكتور أحمد زايد، أستاذ الاجتماع بجامعة القاهرة أن تشديد الأستغلال وسياسات الأفقار فى مصر خلال العقود الأخيرة، لعبت دوراً كبيرا فى اشعال جذور الفتنة على أساس دينى، فهبوط مستوى المعيشة بشكل متواصل، وزيادة معدلات البطالة والفقر، مع أنحطاط أحساس المواطن المصرى بكرامته المهانة دائما فى المصالح الحكومية واقسام الشرطة، بل وحتى وهو يخدم بلده فى الجيش، زادت معدلات الأحباط وفقدان الأنتماء الوطنى، مع غضب غير واعى بجذور واسباب هذا التدهور، لغياب التيارات السياسية القادرة على التعبير السياسى عن هؤلاء الفقراء بشكل ايجابى وطرح سياسات ونظام بديل للدولة المستغلة المستبدة.

وأضاف "زايد" أن هذا الفراغ ملأته تيارات دعمتها الدولة فى البداية قبل أن تنقلب عليها، حيث قدمت الهوية والأنتماء الدينى بديلاً للهوية الوطنية، وهو اتجاه ارضى الدولة المستبدة، لكونه يبتعد عن المطالب الأجتماعية والحقوق الأقتصادية، ولكون أغلب هذه التيارات ظل يحرم مواجهة الدولة، بل وحتى منها من كان يعلن لفظياً معارضته كجماعة الأخوان، لم يكن طرفاً فى أى نضالات مجتمعية تتعلق بالحقوق الأجتماعية والأقتصادية.

وكان نشاط الأخوان طول تاريخهم يرتكز على الدعوة الدينية واصلاح المجتمع من داخله، وخلال عصرى "السادات" و"مبارك"، اقتصرت أنشطتهم الجماهيرية على القضايا السياسية والاقليمية التى قدموها كإسلامية، وتوافق تام مع السياسات المتبعة من النظام الحاكم اقتصادياً واجتماعياً، احتاجت هذه الجماعات "الأسلامية" فى انتشارها وتبرير وجودها فى مجتمع "مسلم"، لوجود عدو، تمت صياغة هذا العدو بدمج الفساد الأخلاقى مع الابتعاد عن الدين والمؤامرة الصليبية من أعداء الاسلام، وممثليهم الداخليين "الأقباط".

وأضاف أنه لو أنحصرت هوية الشخص فى أنتمائه الدينى، يصبح الأخر المخالف فى الدين، عدواً لخروجة بالضرورة من دائرة الهوية والأنتماء التى تجمع هذا الشخص مع الأخرين.

ومع مرحلة السبعينات بدأت تتجسد هذه الافكار فى اعتداءات دورية على الاقباط وممتلكاتهم، بل حتى عندما خاضت بعض هذه التيارات مواجهة مسلحة مع الدولة، وجهت نشاطها لأستهداف الأقباط وممتلكاتهم و"استحلتها".

استمرت هذه الأحداث فى التكرار دورياً، ومع سيطرة تيارات الأسلام السياسى على الحكم بدأت فى التصاعد من جديد، فى اتساق مع الصورة التى يقدمها هؤلاء بأن الأسلام قد عاد للحكم، ويجب تصحيح ما انتجته الفترة السابقة التى سيطر فيها "غير المسلمين" على الدولة.

والحقيقة التى تفرض نفسها، كما يقول الدكتور سعد الدين ابراهيم، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية هو توقف الأعتداءات تماما فى فترة الثورة رغم غياب الأمن تماما بعد أنكساره أمام حركة الجماهير، وهو ما يؤكد عدم اصاله هذه الفتنة، فعندما تحرر المصريين من النظام المستبد، عندما أحسوا بانتمائهم لهذا البلد، وان تقرير مصيره قد اصبح فى أيديهم، وانتموا اليه وشاركوا فى تغييره، اختفت الحاجة لوجود عدو دينى، وتوحد الجميع فى مواجهة العدو الذى قهرهم وأفقرهم معاً لسنوات طويلة.

ولم تتجدد المشكلة من جديد حسبما يروي "سعد الدين" إلا بعد أن بدأت العملية السياسية، وتقدم التيارات الدينية لقيادة مرحلة التغيير وأعادة صياغة النظام السياسى، وكانت خلال مشاركتها فى الثورة، لا تقدم هويتها الدينية، بل تماهت مع حالة الأرتقاء والتسامح التى ميزت حركة الشعب فى نضاله المشترك لأسقاط دولة الاستبداد.

وهكذا فإنه حينما تقع أحداثا طائفية ويتم اعتقال مسيحيين ومسلمين فإن البابا يصوم من أجل إطلاق سراح المسيحيين فيتم الإفراج عنهم وتتردد الحكومة فى الإفراج عن المسلمين، وقد وصف أحد الكتاب الإسلاميين وهو الدكتور محمد عباس ذلك بقوله إن المسلمين فى مصر يعاملون كأقلية.

وأكد "ابراهيم" إنه يقبل الهجوم على المخالف دينيا بنصوص دينية، لكنه لا يقبل رؤية الأخر المخالف فى الدين لو عرض رؤيته الدينية للأسلام، نطالب بحق الدعوة الأسلامية فى البلدان غير الأسلامية، وحينئذ نصرخ بالشكوى والأحتجاج لو تم التضييق عليها، لكننا نجرم التبشير المسيحى وحتى الأسلامى الشيعى بالقانون.

هذا التناقض فى الوعى العام مسئوليه القوى الثورية التى تحتاج لدمج قضايا كل المقهورين ضمن نضالها من أجل مجتمع حر خال من الأستغلال والقهر.

كما يجب على القوى الثورية النضال مع الجماهير من أجل المصالح المشتركة، ضد الفقر والاستغلال، وهو نضال يشترك فيه الجميع بغض النظر عن ديانتهم أو كيفيه صلاتهم لربهم.

ومن جانبه أوضح الدكتور هاشم بحري، استشاري الطب النفسي بالأزهر أن سياسة تجاهل المشكلة والأدعاء بعدم وجودها لن يؤدى إلا الى تفاقهمها، واستمرار تفجر الوضع دورياً، وهى سياسة يبدو أن نظام حكم الجماعة وممثليها الرئيس تتفق فيها مع النظام السابق، فالرئيس فى تعقيبه على أحداث دهشور أكد أن الأقباط لم يهجروا من القرية قسرأ، بل تركوها خوفاً، وكأن الخوف وعدم الشعور بالأمان هو شعور "اختيارى" جعلهم راغبين "أختياريا" فى ترك بيوتهم وكل ما يملكون، والهرب منها.

وطالب "بحري" بالنضال من اجل دستور يقر حق المواطنة والمساواة التامة وعدم التفرقة على اساس الدين أو الجنس او اللون، كما يجب تجريم الحض على كراهية الأخر، وهو نص كان موجود دائما فى القوانين، لكن يتم استثناء الهجوم على الأقباط من تطبيقه، بأعتبار أن من يقولونه يقدمونه باعتباره رؤية اسلامية وتفسير للدين وتقنين طائفي.

учимся рисовать мастер класс по изо