الانتحار ..من الأمل إلى اليأس

смотреть трейлеры фильмов 2013
منحنا الله الحياة كنعمة , ومن واجبنا الحفاظ على هذه النعمة , فالإنسان لا يعيش في الدنيا إلا مرة واحدة , ومنذ ولادته إلى وفاته المحتوم تعد مدة حياته , ومسئولية تشكيلها تقع على عاتقه , فالإنسان يملك الخيار في أن يجعل حياته لخدمة الخير ولتقديم ما ينفعه وينفع دينه ووطنه وأسرته , وفي أن يجعلها حياة لهو ولعب وضياع وفراغ , قال تعالى : (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ) ..سورة التين , قال تعالى : (خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنْ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ(6)) ..سورة المزمر .

 

يولد الإنسان و معه الكثير من الأحلام والطموحات يسعى جاهدا إلى تحقيقها , وأحيانا يواجه بعضا من الصعوبات والعراقيل فيعود إلى الخلف متشائما مستبعدا تحقيق ما يصبو إليه , وأحيانا يدفعه ذلك إلى مزيد من التصميم , ويضفي روح التحدي على حياته , ويزيده قوة وإصرارا , فاختلاف ردات الفعل تعود أولا وأخيرا إلى الإنسان نفسه , فالإنسان يمتلك حرية الاختيار في أن يكون متفائلا بالمستقبل أو متشائما قانطا , والإسلام حث الإنسان على التوكل على الله مع العمل والإيمان و بالتفاؤل خيرا بالمستقبل ..قال تعالى : (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِين (23))..سورة المائدة , قال تعالى : (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ (3)) ..سورة الطلاق , عن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول اله يقول: ((لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدوا خِماصًا وتروحُ بطانًا) رواه الترمذي، وقال: ((حديث حسن))

ضعف الإنسان وقوته تعتمد بالدرجة الأولى على مقدار إيمانه , ولاشك أن الإيمان يزيد وينقص حسب اعتقاد الإنسان وإقدامه على عمل الطاعات , و طالما كان الإنسان مؤمنا فهو دائما يمتلك الأمل في تحقيق أحلامه وتحسن أوضاعه , فالمريض قوي الإيمان لديه أمل في الشفاء , ولكن المريض ضعيف الإيمان لا يفكر إلا بالموت وكل ماهو سلبي مستبعدا استرداد عافيته , وفي الاونه الأخيرة انتشرت ظاهرة الانتحار في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية بشكل ملحوظ , والانتحار يعني أن يقدم الإنسان على إنهاء حياته بنفسه أما بالسلاح أو الشنق أو تناول حبوبا قاتلة أو عبر رمي النفس من مكان مرتفع.

من أهم الأسباب المؤدية إلى الانتحار مايلي :

1- ضعف الوازع الديني .

2- الامراض النفسية والعقلية.

3- الأمراض المستعصية .

4- الإدمان .

5- الفقر .

6- البطالة .

7- التفكك الأسري .

8- الحالات العاطفية .

9- العنف.

نظرا لازدياد حالة الانتحار في العالم وخاصة في السنوات الأخيرة خصصت منظمة الصحة العالمية "العاشر من سبتمبر" من كل عام يوماً عالمياً لمكافحة الانتحار, و أشارت آخر الإحصاءات إلى أن في كل يوم تسجل 3000 حالة انتحار, بالإضافة إلى 20 محاولة انتحار, وفقا لما ذكرته منظمة الصحة العالمية , وان أكثر من مليون شخص يقدمون على قتل أنفسهم كل عام , وهي نسبة تفوق معدلات الوفاة الناجمة عن جرائم القتل العمد والحروب , وأشار الخبراء إلى أن الانتحار يشكل نحو نصف الوفيات العنيفة في العالم , ومعدلات الانتحار بين الرجال تفوق معدلات الانتحار بين النساء , وذلك بمعدل يزيد عن ثلاثة أضعاف .

الانتحار ليس محصورا على فئة المراهقين أو الشباب أو ممن يعانون من الفقر والبطالة بل هو أيضا يطال المثقفين والشعراء والفنانين ومن يتقلدون مناصب مهمة في العالم , وعلى سبيل المثال لا الحصر على ذلك :

• انتحار الأديب والشاعر الأردني "تيسير سبول" عام 1973 وهو في الثلاثين من عمره .

• انتحار الشاعر المصري" صالح الشرنوبي" عام 1951.

• انتحارالفنان التشكيلي السوري "لؤي كيالي".

• انتحارالمستشار الألماني " أدولف هتلر" في عام 1945.

• انتحار ملكة مصر " كيلوباترا " في فجر أحد أيام منتصف أغسطس 30 ق. م.

• انتحار وزير الخارجية الأمريكي الأسبق "روبرت ديور" أمام عدسة الكاميرات.

ومن الناحية الشرعية فلقد حرم الإسلام قتل النفس لأي سبب من الأسباب , فحفظ النفس من الضروريات الخمس التي دعت الشريعة الإسلامية إلى الحفاظ عليها , قال تعالى : (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما)(29) .. سورة النساء , وتوعد الله من يتعدى على نفسه بالعذاب يوم القيامة , ففي الصحيحين عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من قتل نفسه بشيء في الدنيا عذب به يوم القيامة ) , وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على المنتحر عقوبةً له ، وزجراً لغيره أن يفعل فعله ، وأذن للناس أن يصلوا عليه ، فيسن لأهل العلم والفضل ترك الصلاة على المنتحر تأسيّاً بالنبي صلى الله عليه وسلم ، فعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال : ( أُتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قتل نفسه بمَشاقص فلم يصل عليه .. ( رواه مسلم , قال النووي : المَشاقص : سهام عراض, وفي هذا الحديث دليل لمن يقول : لا يصلى على قاتل نفسه لعصيانه , وهذا مذهب عمر بن عبد العزيز والأوزاعي , وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء : يصلى عليه, وأجابوا عن هذا الحديث بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن مثل فعله , وصلت عليه الصحابة. انتهى " شرح مسلم " ( 7-47 ) , ولاشك أن مصير المنتحر يوم القيامة بيد الله وحده فلا يستطيع أي إنسان أن يحدد هل سيكون في الجنة أم في النار , ولكن ما يمكن تأكيده من الناحية الشرعية تحريم قتل النفس , وأن فيه تفريط بما استودعه الله للإنسان , ولا يصح تكفير المنتحر, ويستحب الدعاء له بالرحمة والمغفرة .

ومن الناحية النفسية وضح الدكتورالمصري هاشم بحري - أستاذ الطب النفسي بكلية طب جامعه الأزهر أن قضايا مثل العنف المنزلي، والزواج المبكر والبطالة والتربية الخاطئة , وعدم القدرة على تحمل المسؤولية تسهم أيضاً في انتشار ظاهرة الانتحار مؤكداً أن أصحاب محاولات الانتحار هم مرضى نفسيون أهمل المجتمع , ومن قبل الآسرة رعايتهم خاصة أننا ما زلنا نتعامل مع المرض النفسي بطريقة سلبية وباعتباره سبة أو عاراً، وهذا الموقف يترك أثراً على الحالات التي قد تستفيد من العلاج النفسي, ويشير د.بحري إلى أن أول الحلول لظاهرة الانتحار يقع على عاتق الأسرة بمراقبة تصرفات وردات فعل أبنائهم وبناتهم ومراقبة أفعالهم ونفورهم واستجابتهم للمتغيرات في الحياة بالإضافة إلى دور المدرسة والجامعة التي يجب أن تضم مرشدين نفسيين حقيقيين , ويؤكد أن نسبة الانتحار لدى المصابين بالاكتئاب تبلغ 20% من إجمالي حالات الانتحار في الوطن العربي، فيما تبلغ نسبة الانتحار للمصابين بالانفصام العقلي من 10-15%، في حين تصل نسبة الاكتئاب لدى المنتحرين إلى 70%، ما يدل على أن معظم المنتحرين أو الأشخاص الذين يحاولون الانتحار هم مضطربين نفسياً ويعانون من خلل تفكيري أو معرفي بالدماغ . وأرجع البروفسور واستشاري الطب النفسي الدكتورالسعودي طارق الحبيب الانتحار إلى ثلاثة مسببات هن السبب الاجتماعي وهو حدوث مشكلة كبيرة لا يمكن السيطرة عليها والسبب الثاني نفسي ويتمثل في اضطراب بالصحة النفسية والسبب الثالث وهو عضوي ويتمثل بتغيرات في بطينات المخ واضطرابات في القدرة على التكيف , وأكد انه ووفقا للإحصائيات الرسمية فانه يموت يوميا ( 1000) شخص بسبب الانتحار ، وقال : منهم 75 حالة في أمريكا لوحدها , وأن عدد المنتحرين في آخر إحصائية بالسعودية بلغ عددهم أكثر من ( 750 ) شخصا , جاء نصيب منطقة الرياض الأكثر على مستوى المملكة فيما جاء أقل حالات الانتحار في منطقتي تبوك والقريات بـ( 3 ) حالات لكل منهما , وأن الانتحار في حالة المرض النفسي والعقلي يختلف عن الشخص العالم القاصد العارف بحكم الانتحار مشددا أنه هناك فرقا كبيرا بين المرض النفسي والعقلي والعلم بالانتحار عن قصد , وأكد البروفسور طارق الحبيب إلى أن وسائل الوقاية من الانتحار معدومة في السعودية ، مشيرا إلى أهمية إدماج وسائل الوقاية في المناهج الدراسية مؤكدا أهمية وجود استراتيجيات وقائية ضمن المناهج الدراسية ، مشيرا إلى أنه ليس من ضمن وسائل الوقاية الوعظ .

ومن الناحية الاجتماعية ترجع الدكتورة عزة كريم - مستشار علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بالقاهرة ظاهرة الانتحار بشكل عام والدوافع الكامنة وراءها في الوطن العربي إلى ضعف الوازع الديني , والابتعاد عن القيم والأخلاق والسلوكيات الإسلامية التي بينها القران الكريم والسنة النبوية , وقد بينت الدراسات أن أسباب الانتحار في الأعم الأغلب هو تفشي ظاهرة البطالة والعوز والفقر التي يعيشها المنتحر, والظروف الاجتماعية الضاغطة , وأحياناً تلعب الحالة العاطفية دوراً في زيادة نسبة حالات الانتحار بين الشباب والشابات في عمر العشرينات في حين هناك حالات انتحار تسجل بين الطلبة عندما يخفقون بالنجاح خاصة في الثانوية العامة , وأن الانتحار لا يقتصر على فئة عمريه محددة , وأن كانت النسبة الأكبر ضمن فئة الشباب في العشرينات.

ومن الناحية السياسية والاقتصادية ترى الدكتورة هدى زكريا - أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعه الزقازيق في مصر أن ظاهرة الانتحار في الوطن العربي تكمن أسبابها في عدة عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية لاسيما خلال الأعوام الأخيرة جراء التغيرات التي شاهدتها المنطقة العربية، لا سيّما من الناحيتين الاقتصادية والسياسية. وتحمّل د.هدى ذكريا الحكومات العربية بمختلف مؤسساتها، المسؤولية الأولى عن تزايد أعداد المنتحرين لاسيما من أبناء الطبقة الفقيرة وذلك لغيابها التام عن الاعتناء بهم خاصة في المناطق الريفية والصحراوية , وتقول: تقف الأسرة الفقيرة عاجزة أمام تأمين احتياجاتها، في حين تعجز الدولة ومنظمات المجتمع المدني عن تقديم يد العون لها ، ما يدفع بالمعيل أحياناً إلى محاولة التخلص من حياته , وتنفي دكتورة هدى ذكريا وجود رابط بين ضعف الوازع الديني والانتحار، فهناك من انتحر وهو مؤمن ويؤدي كل الفرائض الدينية ، لأن الانتحار هو هروب من متاعب الحياة ، وشعور الفرد بأنه شخص لا يدخل في حسبان دولته ، وأمره لا يهمها، فهي لا تقدم له أي معونة للخروج من وضعه.

ختاما : لابد أن تتم معالجة هذه الظاهره المتفاقمة في مجتمعاتنا الإسلامية والعربية عبر عمل جماعي موحد ومتواصل تقوم به عدة جهات مسئولة, وهي الجهة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية في كل دولة لان ضعف الوازع الديني ليس هو السبب الوحيد للانتحار , ولابد أن تقوم الاسرة ووسائل الاعلام المتنوعة والنظام التعليمي المعتمد بالتوعية الشاملة ضد عملية الانتحار وبشكل مكثف بدون تهاون ولا تباطؤ, , ولايقدم الإنسان على الانتحار الا اذا غاب الامل عن تفكيره , ووصل إلى مرحلة اليأس, ولذلك على كل انسان أن يتعلق بالأمل طالما الروح لم تفارق الجسد , وبما أن الشمس تشرق كل صباح فلاشك أن هناك أمل , قال تعالى:{ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(87) سورة يوسف , قال تعالى ) :فإن مع العسر يسرا ( 5 ) إن مع العسر يسرا ( 6 ) ) ..سورة الشرح , وعلى الانسان المسلم أن يؤمن بالله وبقدرته على تحسين أوضاعه وأن يعلم أن في كل ابتلاء يصيبه أجر وكفارة له , وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا سَقَمٍ وَلَا حَزَنٍ حَتَّى الْهَمِّ يُهَمُّهُ إِلَّا كُفِّرَ بِهِ مِنْ سَيِّئَاتِهِ ) .رواه البخاري ( 5318 ) ومسلم ( 2573 ) - واللفظ له - .ولفظ البخاري : ( إِلاَّ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ ) ,اجعل ايمانك صادقا وتيقن بأن القادم أجمل , وأن التغيير من سنن الله الكونية , وأنه لايبقى شيء على حاله , وستشعر بالاطمئنان والسكينة .

عبارة جميلة للدكتور مصطفى محمود رحمه الله : بالإيمان تصل النفس إلى بر السكينة .. و تصبح أكبر الأحداث في حياتها مجرد ارتعاشات على سطح بحر هاديء ما تلبث أن تنداح و تسكن .. لتترك البحر شديد الهدوء شديد الصفاء.

учимся рисовать мастер класс по изо