الغضب. عصفور النار

смотреть трейлеры фильмов 2013

رأسا على عقب، من رحمه خرجت الثورات، وبمداده خلف العنف ضحاياه، يحرض على البناء والصعود، ويجلب الدمار والعار، يقود للنصر، وأيضا للانتحار.
كيف يفعل الغضب كل ذلك؟ ولماذا أصبح يكسو ملامح الكثيرين أخيرا خصوصا الشباب؟ وكيف يمكن مواجهته؟
التقينا عددا من علماء النفس والاجتماع لكى يجيبوا لنا عن هذه الأسئلة، فكان هذا التحقيق:


غضب، كلمة قليلة الحروف، لكنه إذا خرج من قمقم قلب الدنيا فى البداية يعرف د. هاشم بحرى، رئيس قسم الطب النفسى، جامعة الأزهر. الغضب قائلا: هو نوع من المشاعر يعبر به الإنسان عن الضيق، فأى إنسان فى الدنيا يتعرض لضغوط نفسية ويجد نفسه غير قادر على التعامل معها أو حلها يتحول إلى إنسان لديه الكثير من الغضب.
- لكن هل الغضب شيء طبيعى أم يمثل مشكلة؟
يجيب د. وليد نادى، الباحث بمعهد الدراسات التربوية جامعة القاهرة، وخبير التنمية البشرية قائلا: هناك اعتقاد خاطئ بأن الغضب دائما ما يمثل مشكلة، برغم أن شأنه شأن كل الانفعالات والتى تعد من أهم الخصائص والمقومات التى تجعل لحياة الإنسان معنى ولها تأثير قوى فى وظائف أجسامنا، وفى إدراكنا للعالم المحيط بنا، وفى قدرتنا على التفكير والتعلم والتفاعل مع الآخرين وفى جميع مظاهر حياتنا، وبالتالى الغضب شعور إيجابى وحافز قويا قادر على منح قوة الدفع إلى الإنسان، حتى يحقق ما يرغب، كما أنه يعمل على تفريغ المشاعر وهو أمر مطلوب لصحتنا النفسية.
وعما إذا كان للجسد الغاضب لغة، يشير خبير التنمية البشرية بأن هناك ثلاث علامات أساسية مميزة للغة جسد الشخص الغاضب وهى الحاجبين ووهج العين وضيق الشفاه بشكل واضح، مع العلم أنه ليس كل مستقبل أو مرسل يمكنه أن يعبر عن الحركة المناسبة بجسده، وفى أحيان أخرى، قد يكبت حركاته الجسمية وانفعالاته، حتى لا يظهر حقيقة ما يخفى، مبديا له عدم اكتراثه أو اهتمامه، أو عدم تأثره لما يقوله، وأحيانا أخرى يكبت انفعالاته وحركات جسمه الانفعالية، كى لا يظهر غضبه وانفعاله، وفى أحيان أخرى قد يرسل رسالة بلغة الجسد، تنم عن انفعال وغضب مبالغ فيه، كى يظهر أنه متأثر جدا لما سمعه أو شاهده بأم عينيه.
- متى يصبح الغضب مشكلة؟
يواصل د. نادى فيقول: يتحول إلى مشكلة عندما لا يستطيع الفرد السيطرة والتحكم فيه عندها يصيب حياته بشرخ كبير فى العلاقات الاجتماعية والأسرية وحتى الثقافية والاقتصادية.
ويضيف د. هاشم بحرى: الغضب يصبح مشكلة عندما يتحول إلى عدوان، سواء كان عدوانا على المجتمع بممارسة كل أشكال العنف ضده، أو على الشخص نفسه، كأن يقطع جسمه بالموس أو يتجه إلى الإدمان، وقد يصل الأمر إلى الانتحار، وقد يكتم الشخص غضبه، فيؤدى ذلك إلى إصابته بالأمراض الجسمانية كأن يتساقط شعره أو يصاب بالقولون العصبى أو السكر.
- لكن ما الأسباب التى تؤدى إلى الغضب؟
يجيب د. هانى السبكى استشارى الطب النفسى وعضو الاتحاد العالمى للصحة النفسية: عندما يغيب العدل يظهر الغضب من أجل استرداد الحق أو رد الظلم وهو عادة ما يأخذ صورا عديدة، بداية من الغضب اللفظى إلى الغضب الفعلى أو التمرد وحتى العداء للمجتمع أو الدولة.
ويتفق مع ذلك عالم الاجتماع السياسى د. أحمد زايد، موضحا أن الغضب مرتبط بالعدل، فإن غاب وشعر الإنسان بالظلم، هنا يثور غضبه، مشيرا إلى أن الغضب تحدث عنه أفلاطون بما أسماه "النفس الغاضبة"، حيث فرق بين ثلاثة أنواع هى النفس العاقلة والنفس الغاضبة والنفس الشهوانية، أى أن الغضب نجده فى المنتصف بين الشهوة والعقل، وهو الذى يعبر عن طاقة النفس التى تكون دائما تواقة للعدل، ومن هنا ارتبط العدل بالقوة.
وعما إذا كان الغضب يرتبط بسن معينة يقول د. هاشم بحرى: الغضب ليس له سن محددة، ولكن مواجهته تختلف من شخص لآخر وفقا لدرجة تعليمه وثقافته وخبرته فى الحياة، فكلما كانت الشخصية لديها قدرة على التفكير العلمى والمنطقى، استطاعت إيجاد الحلول والبدائل لتفريغ هذا الغضب، أما الشخصية البعيدة عن ذلك فهى التى تقع فى براثن الغضب، وكلما كانت هشة أصابها اليأس والإحباط بشكل قد يصل بها إلى الانتحار.
- ولماذا يرتبط الغضب بالشباب أكثر؟
يرى د. أحمد زايد إن لم يغضب الشباب فليس بشباب، وهذا أمر متوقع منه لأنه يكون فى مرحلة التشكل، ففى هذه المرحلة نراه مندفعا وأكثر حساسية فى تعامله مع المشكلات التى حوله، فى حين يكون من هم أكبر سنا أقل اندفاعا، لما تتسم حياتهم بالاستقرارية سواء فى الزواج أم المسكن أم العمل، لذلك أنا أقول إذا لم يكن الشباب غاضبا فليس بشباب، وبالتالى لا يمثل الغضب مشكلة بقدر ما يمثل حالة الشباب، الذى لا يجد عدلا من حوله وأنه مظلوم فى مجتمعه أو من أسرته أو المؤسسة التعليمية وغيرها.
ويؤكد د. هاشم بحيرى أن غضب الشباب يعد الأقوى والأعنف نظرا لطبيعة هذه المرحلة، فإذا وجد نفسه وهو فى بداية حياته يعانى ضغوطا مالية ونفسية نتيجة عدم زواجه مثلا أو عدم وجود فرص عمل حقيقية تحقق له الاستقرار، يتحول إلى إنسان غاضب، خصوصا لو وجد أن مشاكله لا تتعامل معها الحكومة بشكل جدى، فالشاب قد يتحمل لو شعر بأن هناك أملا حتى كان هذا الأمل لن يتحقق إلا بعد عدة سنوات، لكن إهماله من قبل الدولة تجعله يوجه غضبه إلى أمور تضره وتضر المجتمع، كأن يصبح سارقا أو قاطعا للطريق، فاليأس الذى زرعته الدولة فيه تحوله إلى شاب غاضب يترجم هذا الغضب إلى عدوان.
أسلوب حياة
وعما يمكن أن ينتج عن الغضب يشير د. أحمد زايد بأن هناك عدة صور من السلوك يمكن أن تخرج عن الغاضب، منها أن يحل التكيف محل الغضب، أو يتحول الغضب إلى طاقة تدميرية، وهنا يصبح أسلوب حياة أو لا يجد الغاضب لديه حل سوى الانسحاب، وهو أمر يمثل خطوة كبيرة على صاحبه.
كما أن هناك نظرية مشهورة فى علم الاجتماع اسمها "نظرية الضغط"، ترى أن الغضب هو نتيجة للضغوط التى تجعل الشاب لديه ميل للخروج عما هو مألوف وبشكل قد يصل إلى مرحلة الانفجار.
ويرى د. هانى السبكى أن رد الفعل يختلف حسب الشخصية الغاضبة ومستواها التربوى والفكرى، وكذلك الإيمان بوجود العدل الذى يحكم بين الغاضب والظالم، ومدى سطوة الظالم، فإذا شعر الغاضب بغياب العدل وتفشى سطوة الظالم زاد غضبه، وإذا شعر بعكس ذلك، قل غضبه، وقلما تجد شبابا غاضبا فى الدول المتقدمة المتحضرة، لأن الشعوب فيها دائما ضامنة لحقها لثقتها فى العدل وفى حماية الدولة لها، أما فى الشعوب المتخلفة، حيث يوجد القهر والسطوة ويهتز العدل والذمم، هنا يزداد الغضب بصوره العنيفة، وكلما تدنى مستوى الغاضب اجتماعيا وحضاريا ودينيا، كلما أخذ صورا من العنف الزائد، كما تزيد حدة الغضب عندما يكون ناتجا عن إيذاء مقصود، لأنه غير مقصود يمكن التعامل معه، كما أمرنا الله بكظم الغيظ والعفو، فالضرر هنا وقع دون ظلم، لكن عندما يكون فعل الظلم مقصودا ولا سبيل لأخذ الحق لعدم الثقة فى العدالة أو الحاكم، هنا يكشف الغاضب عن شراسته ويوجه غضبه إما إلى الطرف الظالم، أو إلى داخله إذا كان قد تعود على التفريط فى حقه، فشعوره بالعجز يجعله يعاقب نفسه بالغضب الداخلى، بكثرة التدخين والإدمان وكل ما من شأنه أن يحرق أعصابه، وقد يصل به الأمر إلى الانتحار، كما أن هناك غضبا آخر وهو " الغضب السلبي" وفيه يتحول المظلوم أو المقهور إلى شخصية سلبية تماما، فلا يشارك فى أى شيء وتصبح اللامبالاة عنوانه، حتى إنه إذا سبه أحد صمت أو ابتسم له، وهو هنا يضر بمجتمعه بطريقته التى تعتمد على عدم فعل شيء لإيمانه بأنه - ومثل هذا النوع من الشباب الغاضب الذى يرفض أن يسهم فى البناء - يمكنه أن يتحالف مع أى جهة ضد نظام بلده، وهذه كانت الفرصة التى استغلتها الجماعات الإسلامية والإرهابية فى استقطاب المظلومين، فالمظلوم يتحالف مع من يشترى غضبه حتى لو كان الشيطان نفسه.
أرض خصبة
وحول التفسير لحالات الغضب الجماعى يقول د. وليد: الغضب نوعان، فردى وهو يختلف من شخص لآخر، وجماعى يتشكل من خلال حالة الوعى الجماعى بالمشكلات المشتركة بين أفراد المجتمع، كالمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، والتى تبدو بشكل واضح فى انتشار الفقر والتفاوت فى الدخل، خصوصا القائم منه على خلفية الفساد الإدارى والمالى والسياسى، والمتمثل بالرشوة والمحسوبية والمحاباة والوساطة والابتزاز والتزوير وسرقة المال العام وغيرها، إلى جانب انعدام أو ضعف الخدمات العامة، من صحة وتعليم وماء وكهرباء وضمانات اجتماعية مختلفة. وتولد هذه السياسات بمجملها حالات من الكبت والقمع والحرمان المتواصل، وكلما زادت فترة الكبت للمشاعر المصاحبة، فهى تشكل أرضا خصبة لغضب جمعى ثائر وهو محمود ومطلوب، حيث الحاجة إليه لإثبات ذات الفرد والمجتمع ووجودهما، وأخذ الحقوق ممن ظلموه وسلبوا إرادته فى الحرية الحقيقية والعيش الكريم، فالغضب الجمعى الثائر هنا هو حالة صحية وسوية للتعبير عن كبت المشاعر التى خنقت داخل الذات المجتمعية، بفعل عوامل القمع والحرمان وانعدام الحريات والعدالة الاجتماعية.
وعن أمثلة الغضب الجماعى الإيجابى، فكانت فى ثورة يناير والتى قادها الشباب وكانوا وقودها واستطاعوا من خلاله إزاحة نظام قبح على صدور المصريين لعقود، أما فيما يتعلق بارتفاع وتيرة الغضب والعنف فى المجتمع المصرى أخيرا، فأرى أن السبب الرئيسى فى ذلك هو ارتفاع سقف الطموحات والتطلعات بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير، مع عدم تحقق الكثير من تلك الطموحات والتطلعات عبر الحكومات المتعاقبة، الأمر الذى أوجد حالة من الإحباط والذى يعد وقود الغضب والعنف.
الوجه القبيح
وعن كيفية مواجهة الغضب خصوصا غضب الشباب يرصد د. وليد بعض الخطوات التى يمكن اتباعها لإدارة الغضب، والتى تتلخص فى ضرورة الاسترخاء والتحدث إلى النفس ببعض الكلمات التى تبعث على الهدوء والوضوء والاستغفار والتسبيح وتعلم التعبير الصحيح عن الغضب، مثل عدم رفع الصوت وتجنب الصراخ والصياح مع تغيير المكان والهيئة والتدريب على حل المشكلات والتواصل السليم مع الآخرين، وفى النهاية محاولة قلب موقف الغضب إلى فكاهة.
ويضيف د. أحمد زايد، بأنه بالفعل هناك ما يسمى بإدارة الغضب يمكن للأشخاص أن يلجأوا إليها، عن طريق إدارة الذات والعمل على تنميتها بالتأمل الذاتى والنمو الأخلاقى، وغيرها من الأساليب التى تجعل الشخص يتحكم فى نفسه حتى يصل إلى درجة التسامح التى هى نقيض الغضب، لكن الأهم من ذلك وهو دور المجتمع والدولة تجاه الغاضبين، فلابد من الحوار معهم، والذى يصل بهم إلى التمكين والمشاركة الفعالة فى المجتمع أو على الأقل إشعارهم بأنه سيكون هناك تمكين، وإذا كنا نتكلم عن تمكين المرأة، فلابد أيضا أن نتكلم عن تمكين الشباب حتى يشعر بأهميتهم وأنهم موجودون، ولابد أن يتبع ذلك عمل الآليات التى تحقق لهم ذلك، كذلك لابد من إتاحة الفرصة للشباب للقيام بالمبادرات المجتمعية، وتحفيزهم على عمل شركات استثمارية لاستصلاح الأراضى، فهناك الكثير منهم لديه رأس المال ويحتاح تشجيعه على المشاركة فى مشروعات مع شباب آخرين، وبالتالى فإن إعطاءهم الأولوية فى الحصول على الأراضى المزمع استصلاحها، بدلا من توزيعها على كبار الملاك، كأن يوضع شرط بأن هذه الأراضى لن تكون من نصيب من هم فوق الثلاثين عاما، والشباب قادر على النجاح، بما يملكه من روح ورؤية مختلفة، وبالتالى كل ذلك سيبعد الشباب عن الغضب السلبى.
لكن ما يحدث أراه بعيدا تماما عن التمكين الفعلى للشباب - والكلام لا يزال للدكتور زايد - فمثلا كثر الكلام حول تعيين شباب للعمل كمساعدين للوزراء، وإذا تأملنا هذا الأمر نجده غير مجد ولن يستفيد منه الشاب لأنه لا يعرف ما المطلوب منه وماذا سيعمل فى هذه الوظيفة؟ كما أنه لن يتم إعطاؤه راتبا أعلى، بل سيكون بنفس راتبه الذى يعمل به، وبالتالى فهو تفكير عقيم لن يحل المشكلة.
وعن رؤيته للعلاج يرى د. هانى السبكى، أن البداية تكون بتمكين العدل فى المجتمع، لأن العدل هو أساس الملك، كما أن المساواة فى الظلم عدالة، لكن أن تجد أشخاصا يعاقبون وآخرين يحصلون على البراءة فى نفس التهمة، هنا نكون قد فقدنا العدل، لكن عندما أشعر أن الظلم يقع على الجميع، هنا يأخذ الغضب شكلا إيجابيا فى مجابهة الظلم، وبالتالى لابد أن يسير العلاج فى اتجاهين، الأول هو ترسيخ العدل، والثانى هو تربية الناس على المطالبة بحقوقها بديمقراطية راقية، خصوصا أننا مورس علينا القهر منذ نعومة أظفارنا فى المدارس والمنازل ومن الجهات المسئولة، سواء كانت شرطة فى عصر ما أم المخابرات فى عصر سابق سطوة الدولة، فغابت الحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وهى الأشياء التى من أجلها قامت الثورة، لذلك أرى أنه عندما تتحقق أهداف الثورة لن يظهر الغضب بوجهه القبيح وسيختفى العنف تماما.

учимся рисовать мастер класс по изо