اغتيال الأنوثة

смотреть трейлеры фильмов 2013

كلنا نتحرش بالنساء
هى الظاهرة التى تحدثت عنها مصر كلها طوال الأسبوع الماضى، ولم تدخر وسائل الإعلام وسعًا فى توصيف الوقائع والتحذير من تبعاتها واقتراح الحلول التقليدية لمواجهتها. لكن للأسف كل ما قيل وكتب عن «التحرش الجنسى بالنساء فى الشارع المصرى» كان مكررًا بشكل لافت، ولم يلتفت أحد بمناقشة القضية بشكل عميق وعلمى، ولم ينتبه أحد إلى أننا كلنا نتحمل مسئولية هذا الرعب التى تعيشه بناتنا فى الشوارع.

فى البداية إذا أردنا أن نفهم ظاهرة التحرش بشكل علمى فعلينا تحليل نفسية قطيع الذئاب هذا، كى ندرك أن صفاتهم النفسية والاجتماعية الشاذة هى التى تؤدى بهم الى «استسهال» هذا الفعل البشع.

التوصيف العلمى الدقيق للحالة النفسية التى تنتاب المتحرش أثناء هذه النزوة الشعورية هو أنه «سعار عنيف» (وليس هيستيريا جماعية، لأن صاحبه يتحكم فى أفعاله كلها)، وهى حالة نفسية منفلتة من العنف المتفجر تشبه التى تصيب بعض مشجعى كرة القدم (مثل الهولوجينز فى إنجلترا) وتدفعهم لارتكاب أعمال عنف دموية.

المحفز وراء هذه الحالات النفسية الجماعية الملتهبة يكون عادة ضغوط حياتية مستمرة وكبت جنسى متراكم لسنوات، وفى بعض الأحيان تحت تأثير المخدرات، بالإضافة إلى التأثر بالآخرين الذين يمارسون نفس الفعل، ففى ظروف خاصة ينشط العنف الجماعى عندما يكون الشخص خاضعًا لتأثير جماعة بدون عقل أو تفكير.

أيضا مما يشجع هذه القطعان على ما يفعلونه من همجية هو الاستقواء بالجماعة والثقة فى الإفلات من العقاب، فمثلهم مثل العصابات الإجرامية التى يشجع أعضاؤها بعضهم على خرق القانون، وفى المقابل ينعتون من لا يتجرأ على ارتكاب نفس جرائمهم بالضعف، مما يهدده بالطرد والإقصاء، وبالتالى الحرمان من امتيازات الأمان التى تمنحها له الجماعة، وهى ديناميكية معروفة فى حالات الاغتصاب الجماعى، حيث تؤثر الجماعة على الأفراد وتدفعهم للاجتراء على سلوكيات لا يفعلونها منفردين.

التحرش بالمرأة إذن هو جريمة عنف تحفزها شهوة الافتراس، وليست على الإطلاق جريمة جنس تحركها شهوة المتعة الجسدية، لأن المتحرش لا يشعر بأى إشباع جنسى وسط هذا العدد الكبير ووسط هذه المنافسة التى لا تنتهى على الضحية البريئة.

لكن الذى يحتاج للتحليل العميق هو تركز هذه الرغبة فى الإذلال والقهر على المرأة فقط، فهذه الجماعات لا تشعر بالرغبة فى قهر الرجال الآخرين حتى لو كانوا ضعفاء غير قادرين على المقاومة، وهذا يأتى لأسباب اجتماعية وثقافية ونفسية عديدة اختصت بها المرأة، ونتحمل كلنا مسئوليتها، بالضبط كأننا مددنا أصابعنا وتحرشنا بجسد كل امرأة تعيش وسطنا.

فى المجتمعات التى يغيب عنها مفهوم المساواة تكون المرأة دائما هى الطرف الأضعف فى أى علاقة، سواء زوجية أو عائلية أو مهنية أو غيرها.. نظرة المجتمع الدونية لها تمتد متجاوزة للزمن وفى بعض الأحيان متجاوزة للطبقات، لهذا يتعامل معها أغلب أفراد المجتمع بدونية واحتقار، بل يتبادل الرجال بينهم وبين بعض السباب والبذاءات عن طريق تحقير جسد المرأة وامتهانه حتى لو لم يكن بينهم نساء من الأساس، وبهذا يتعزز فى عقلهم الباطن المنزلة الدونية للمرأة بالنسبة للرجل، فجسدها مسبة، ومجرد ذكرها فى أى سياق يعطى معانى سلبية، وهى بهذا تكون الحلقة الأضعف فى المجتمع، مهانة دائما بدون أى ذنب اقترفته.

أيضا عادات اجتماعية كثيرة تعزز من تغلغل فكرة «تشيىء» المرأة بالنسبة للرجل، أخطرها التعامل مع النساء كمملوكات أو تابعات للذكور وليس بوصفهن كائنات مستقلة مكتملة، فتنسب المرأة للأب طالما كانت فى منزله، ثم تنسب للزوج بعد عقد القران، وقد تنسب للابن فى حالة تقدمها فى العمر ووفاة الزوج، وبالتالى فالمرأة، ذلك «الشىء»، يحتاج دائمًا إلى رجل يعطيه صك الوجود، بينما يتمتع الرجال بالاستقلال والانتساب لأنفسهم منذ الميلاد تقريبًا، أما المرأة مهما كانت ذكية فى عقلها أو ناجحة فى عملها أو قادرة على العطاء فى مجتمعها فهى فى منزلة الطفل غير القادر على التمييز والذى يحتاج الى تصريح للبقاء وسط عوالم الكبار.

عملية «تشيىء» المرأة المنهجية التى تمارسها مجتمعاتنا منذ آلاف السنين بشكل واعٍ أو حتى غير واعٍ تتضمن الباسها صفات غير إنسانية، مثل الترويج بأن قيمتها تقل مع السن، وأن المرأة فى الأربعين أو الخمسين لا قيمة من الفتاة فى العشرين، وكأنها سيارة تم استعمالها وليست انسانًا اكتسب خبرات وحكمة تضيف إليه ولا تقلل منه، أو مثل التقليد الثابت بأن العذراء يدفع لها مهر بينما المطلقة لا، وهو ما يعطى انطباعًا بأن عملية الزواج هى صفقة بيع عليك الحصول على أفضل بضاعة فيها وليست تجربة تواصل وتكامل مستمرة، ونفس الشىء بالنسبة للمرأة القادرة على الإنجاب وغير القادرة.

كل هذه الخطايا الاجتماعية التى يمارسها مجتمعنا بكل إخلاص، كل فى موقعه، تجعل حياة المرأة مثل الجندى التائه فى حقل الألغام، مهدد طوال الوقت بالخطر، ولن يشعر بثانية راحة طالما ظل فى هذا الوسط المعادى.
استطلعنا آراء الطب النفسى فى الأزمة:

المتحرش لا يهدف للمتعة الجنسية.. بل الإحساس بالقوة

كان لابد أن نعرف رأى علم النفس فى ظاهرة معقدة مثل التحرش الجنسى طلبا لإيضاح الأسباب واقتراح الحلول، فبدأنا مع الدكتور محمد عبدالفتاح المهدى، الخبير النفسى المصرى وعضو الجمعية الإسلامية العالمية للطب النفسى، الذى اعتبر أن من يقوم بفعل التحرش فى علم النفس يصنف بأنه «شخصية سيكوباتية» أى معاد للمجتمع، ويكون كل هدفه هو إيقاع الأذى بالآخرين وأن يرى الضحايا وهم يتألمون، وليس هدفه المتعة الجنسية لأن المتحرش الجنسى غالبًا ما يقوم بأفعال وطرق لا تؤدى إلى أى متعة جنسية حقيقية تشبع غريزة أى رجل على الإطلاق.

د. المهدى أكد أن المتحرش هو شخص غير سوى عقليا ووجدانيا وليس لديه ضمير أو حس إنسانى، ويتمتع بالأنانية، موضحا أنه لا يركز فى تفاصيل جسد المرأة من مفاتن حتى يستثار جنسيا، بل هو فقط يريد أن يشعر نفسه بأنه قادر على إيذائها مما يشعره بالقوة، بدليل أنه فى كثير من الدول ترتدى النساء عادة ملابس تكشف من أجسامهن أكثر مما تغطى مثلما يحدث فى الدول الأوروبية ونسبة التحرش فيها تكون أقل بكثير من الدول العربية والمسلمة.

ويؤكد الدكتور عبدالفتاح أن هناك دورا كبيرا يقع على عاتق المدارس والجامعات فى إعادة بث القيم والأخلاق وتهذيب سلوك الشباب، وإعادة إنتاج القدوة والمثل الأعلى بين الشباب، وأيضاً دور العبادة لها دور كبير يتطلب عودة الخطاب الدينى السليم والتركيز على الجانب الأخلاقى والقيمى، مطالبا عدم الذعر من الموضوع بشكل مبالغ فيه، قائلا: «التحرش موجود فى العالم كله، كما أن مصر ليست ضمن أعلى نسب التحرش فى العالم وكون المجتمع المصرى لديه استنفار واضح للظاهرة فهذا يدل على أن المجتمع ما زالت لديه قيم وأخلاق نبيلة».

من جانبه يرى الدكتور هاشم بحرى رئيس قسم الطب النفسى بجامعة الأزهر، أن كل شخص لديه درجة محددة لتحمل الضغوط النفسية، وإذا زادت هذه الضغوط عن قدر تحمله تولد عدوان، إما على الخارج أو الداخل، مشيراً إلى أن ظاهرة التحرش الجنسى المنتشرة هذه الأيام هى عدوان على الآخرين لتنفيس الضغوط الداخلية فقط.

د. بحرى أوضح سبب ظاهرة التحرش الجنسى بأن التحرش مرض نفسى، هو نوع من أنواع العنف النابع عن غضب من شىء ما، ربما أزمة مرت بالمتحرش فى حياته تحولت إلى عدوان وهذا العدوان إما عدوان داخلى، مثل أن يقوم المريض بجرح جسده، أو عدوان خارجى مثل القيام بأعمال البلطجة أو التحرش الجنسى، مبينا أن طرق العلاج تكون عن طريق التربية السليمة، بعدم تعرض الأطفال للضغط النفسى من الأهل، وعدم انغماس الطفل فى مشكلات الأسرة بشكل كبير، وأن يكون للأولاد مساحة من الحرية المسئولة، مع التركيز على غرس القيم الدينية النبيلة، منبها إلى أن من الأمراض النفسية التى تتواجد الآن فى المجتمع «العدوان والغضب»، فأصبح الأشخاص فى الشارع المصرى لديهم عنف وغضب يمارسونه على أنفسهم، ويكون غضبا خارجيا متمثلا فى التحرش وهتك العرض، أما الغضب الداخلى فيكون عن طريق الإدمان وانتشار المخدرات بصورة خطيرة.

«بحرى» أكد أن من الأسباب المؤدية لانتشار الأمراض النفسية فى المجتمع تعرض الشعب لضغوطات نفسية دون أن يوجد لها حلول، وتزداد هذه الضغوطات يوماً بعد يوم، لأن الشخص لا يشعر بإحساس الانفراج أو وجود حل قريب لهذه الضغوطات التى تتعثر، مشيراً إلى أن الحل لعلاج هذه الأمراض هو استقرار البلاد اقتصادياً وسياسياً وتعليمياً، لذا يوصى «بحرى» بضرورة تفكير الحكومة لتجد حلولا للأزمات التى تمر بها البلاد، وتجعل الشعب يشاركها فى حل هذه المشكلات، لأن ذلك يمثل خطوة إيجابية للخروج من النفق المظلم وإعطاء الأمل للشعب مرة أخرى لبداية مرحلة جديدة للنهوض بالبلاد.
انتقلنا من الغزل بالشعر إلى الاغتصاب الجماعى:
وداعًا زمن المعاكسة الجميل

ظاهرة التحرش التى صارت سرطانا يهاجم بناتنا كلما جاءتهن الشجاعة للسير فى الشارع هى عرض لمرض أكبر بكثير هو انحدار الذوق العام وسقوط الأخلاق بين الناس، وهو مرض يظهر تأثيره بوضوح فى العلاقة بين الرجل والمرأة الآن التى صارت على صفيح ساخن، واختلافها عن الماضى الذى لم يكن هناك كل هذا التحفز بين عنصرى المجتمع.

المشهد الحالى وما تشهده الشوارع المصرية من حالات التحرش التى تصل بعضها إلى حد الاغتصاب يثير قلق كل المهتمين بالمستقبل، لأننا لو نظرنا إلى الماضى فسنجد تباينًا هائلًا بين ما كنا وما وصلنا إليه، فمحاولة لفت انتباه الأنثى أو «المعاكسة» بالتعبير الدارج، على الرغم من أنها فعل مرفوض فى ذاته، كانت تتم فى الماضى بشكل راقٍ ومحترم ينقل الإعجاب ولا يوصل الإهانة، بعكس الواقع الحالى الذى صار فيه القهر والقمع هما أول المفردات التى تخشاهما المرأة المصرية إذا سارت فى الشارع.

الحقيقة التى لم يتطرق لها الكثيرون هى أن الثقافة الفردية التى تشكل سلوك الفرد وتصرفاته لها مسئولية كبيرة عن التدهور الذى وصل إليه حال الشارع المصرى، بعيدًا عن التمادى فى فرض العقوبات لم تكن رادعًا ذات يوم، فالمجرم يسرق وهو يعرف عقاب السرقة، والقاتل يقتل وهو يعرف عقاب القتل، كذلك هو المتحرش الذى يقدم على التحرش أو على الاغتصاب، وهو يعلم جيدًا العقوبة التى قد تقع عليه إذا أمسك به لكنه عادة لا يعبأ.

الثقافة الفردية والمناخ العام فى الماضى يختلف كليًا عما نعيش فى مستنقعاته الآن، وإذا فتشنا فى قاموس المفردات التى كانت تستعمل للمعاكسات منذ الستينيات وحتى أواخر الثمانينيات لن تجرح آذاننا عبارة واحدة مسفة أو خادشة للحياء، وإذا اعتمدنا فى بحثنا على أرشيف السينما، بصفتها ذاكرة حية للماضى، سنجد أن عبارات الغزل كلها كانت تدور حول هذه الألفاظ: «من العين يارب احرسها، ياحلو صبح يا حلو طل، القلب يعشق كل جميل، يا صفايح الزبدة السايحة».

وقد يحضرنا أيضًا فى ذلك المشهد قصيدة الشاعر بيرم التونسى، التى تعبر عن روح الدعابة والغزل التى تسير كلها فى إطار الإعجاب المحترم، وهو الشعور الإنسانى الذى لا يمكن أن ينكره أحد

учимся рисовать мастер класс по изо